السيد محمدحسين الطباطبائي
99
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
صائرين مثل آدم مساوين معه ، ولم يكن في ذلك إكرام لآدم ؛ حيث علّمه اللّه سبحانه أسماءا ولم يعلّمهم ، ولو علّمهم إيّاها كانوا مثل آدم أو أشرف منه ، ولم يكن في ذلك إقناع لهم وإلزام لحجّتهم . وأيّ حجّة تتمّ في أن يعلّم اللّه رجلا علم اللغة ، ثمّ يباهي به ويتمّ الحجّة على ملائكة مكرمين - لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون - بأنّ هذا قابل لخلافتي دونكم ، ويقول تعالى لهم : أنبئوني باللغات - التي سوف يضعها الآدميّون بينهم للإفهام والتفهيم - إن كنتم صادقين في دعواكم أو مسألتكم خلافتي ؟ ! وأضف إلى ذلك : أنّ كمال اللغة هو المعرفة بمقاصد القلوب ، والملائكة لا تحتاج فيها إلى التكلّم ، وإنّما تتلقّى المقاصد من غير واسطة . وبالجملة : فما حصل للملائكة من العلم - بإنباء آدم لهم بالأسماء - من غير حقيقة العلم التي حصلت لآدم بأسمائهم بتعليمه سبحانه ، فأحد الأمرين كان ممكنا في حقّ الملائكة وفي مقدرتهم دون الآخر ، وآدم - عليه السلام - إنّما استحقّ الخلافة الإلهيّة بالعلم بالأسماء دون إنبائها ؛ إذ الملائكة إنّما قالوا في الجواب على ما حكاه سبحانه : سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا فنفوا العلم دون القدرة على الإنباء ، فافهم . وظهر ممّا مرّ : أنّ العلم بأسماء هؤلاء المسمّيات يجب أن يكون علما يكشف عن حقائقهم وشؤونهم وخصوصيّات وجودهم ، دون مجرّد ما يتكفّله الوضع اللغوي عندنا من الإشارة إلى مشار إليه معيّن ، مثل ما يكشف معنى قولك : « أنا » عن ذاتك ، فأنت عند مشاهدتك ذاتك تشاهد معنى « أنا » ، وهو اسم من أسماء ذاتك ، فهذا هو الحريّ أن يكون مرادا بالاسم أو داخلا في المراد ، ويكون معه المسمّى مستورا تحت ستر الغيب محفوظا عند اللّه - سبحانه - حيث لا وضع ولا